القائمة الرئيسية

الصفحات

أنا موجودٌ الكاتبة هناء محمد


الكاتبة هناء محمد


أنا موجود

الكاتبة هناء محمد

يجلسُ وحيدًا حزينًا في حجرته ، يعيشُ بداخل عالمه الخاص ، عالمٌ نسَجه في خياله ، لا

يستطيع التَّعبير عنه ، ليته يعلم كيف يُعَبِّر ، لا أحد يحسُ بمشاعره أو يحاول يتفقده ، إنَّه

مُهمل يعتبره البعضُ قَدَرً أسَودً ، لا يملك غير صرخاتٍ عاليةٍ ، يخاف من الضّوءِ و

الأصوات المُزعجة ، حين يتحدث يتلاشى النَّظر في الأعين ، لا يعلم لماذا ؟ هو ذاك ،

يلفت انتباه مَنْ حوله بعضِّ يده أو ضرب رأسه في الحائط ، يرفرف بيديه كالعصفور

المجروح ، ينفرُ أقرب النّاس منه فكيف بالغريب عنه ؟ ينظر إليه والده و كأنَّه نُقمةٌ

مُصيبةٌ حلَّت عليه منذ ولادته ، فبعد أسبوع من ولادته فَقَدَ زوجته ، كثيرًا ما كان ينعته

بالشّؤم ، و يُدلل أخاه الأكبر بالقول و الفعل دون الأخر كان بفطرته الملائكية يحتاج

لحضن والده فينزعه الأخر بقوة و يُلّقيه علي الأرض ؛ يخشى لعابه الذي يلهث باحثًا عن

حُبٍّ ، لقد حُرم من حقوقه كإنسان ، تزيد حالته سوءاً ، يزيد تعطُّشه ، لسلعة الحُبِّ التي

باتت نادرةً ، يدخله والده مدرسة فكرية للاضطراب النَّمائي و يُقيم فيها ، ينقطع سؤال

والده عنه فما عاد يزوره ، تمرُّ السنون ، تُنمَّى مهاراته ، يظهر ذكائه بل و يتفوق علي

أقرانه مِمَنْ هم مثله بفضل هؤلاءِ الأطباء و المُختصين معهم ، يُفاجأ والده بأنَّه يُكرَّم في

أحدي القنوات الفضائية بالتلفاز ؛ لِتفوقه و فوزه في إحدى الألعاب الأولمبية لذي

الاحتياجات الخاصة ، و يتسلَّم الميدالية الذهبية كأفضل سبَّاح محلي ليتأهل للبطولة

العالمية رافعًا علم بلده ، يبكي والده ندمًا علي ما فرط في حقه و تآكل عمره و ضياع

ماله بسبب أبنه الأكبر المُدلل حتي أصبح مدمنًا شرسًا للمخدرات ، ظلَّ الأبُ ينعت و

يلعن ما قام به من هجر و فعل مع ذلك الابن الذي كان يطلق عليه شؤم و مُعاق ، لطالما

جرح مشاعره و تسبب في إيذائه نفسيا و بدنيا ، كم كان قاسيا معه دون ذنب منه ، لقد

حرمه القدر من أمِّه و ها هو قد حرمه من أمان و حُبّ الأب ، كم كنتُ مجرمًا ، و ها

هو الآن أصبح وحيدا يؤنسه النَّدم لكنَّه قررَّ تصليح الماض ، يذهب إلي المركز المُقيم فيه

، يا له من مركز إنساني يتبنى هؤلاء الملائكة مجانا ، و يرتقي بهم ، يُنمي مهاراتهم

حتي يصبحوا أبطال حقيقين ، و ذهب الأب يطرق أبواب العطف و العفو من ابنه و هو

خائفٌ بأن لا يقبله لكنَّه مسكينٌ لا يعلم انَّ هؤلاء الملائكة لا يكنون حقدًا و لا كرها لأحد

هم فقط يحتاجون للحُبِّ و الحنان ، يدخل المُعلم به ، و دموع الأب تنسكب بين أحضان

ابنه الذي يتأجج بالمشاعر ، يفهم والده جيدا ويقبل اعتذاره علي ما فرط في حقه ، يأخذه

الأب إلي أخيه الأكبر في مصحة تعالج من الإدمان ربما يكون سببًا في تحفيزه و سرعة

استجابته للعلاج لكن تصفعه المُفاجأةُ بأنّ ابنه هرب من المصحة و تناول جرعة زائدة

من المُخدر و لقد وجدته الشّرطة بجانب أحد الأرصفة ثمّ نُقل إلي المستشفى و قد فارق

الحياة ، يفقد الأب توازنه و يُصاب بصدمة أفقدته الحركة بعدما تصفَّح شريط حياته أمام

عينيه ليصبح سنده في الحياة ذلك الابن البار المُتولي تمريضه ، يندهش والده كيف لفاقد

الحنان أنْ يعطيه بغزارة كالأمطار ؟! كيف لفاقد الحُبّ يصبَّه صبَّا ؟! قائلًا :لنفسه لعل

كل ما أصابني كان بسبب ظلمي له إنَّها الكارما ، يدعو ربه بالشّفاء ؛ ليعوضه حُبًا و

حنانًا ، ينادي عليه يأخذه في حضنه قائلا له : سامحني أيها الملاكُ البركةُ .

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق

التنقل السريع